جيرار جهامي ، سميح دغيم

212

الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي ( تحليل ونقد )

مختلف بلاد الإسلام . ولكي نصدر حكما صادقا في هذا المجال ينبغي أن نتقصّى الحركة الاستعمارية من أصولها ، لا أن نقف أمام حاضرها ؛ أي إن علينا أن ننظر إليها كعلماء اجتماع لا كرجال سياسة ، وسندرك حينئذ أن الاستعمار يدخل في حياة الشعب المستعمر كعامل مناقض يعينه على التغلّب على قابليته له ، حتى إن هذه القابلية التي يقوم على أساسها الاستعمار تنقلب إلى رفض لذاتها في ضمير المستعمر ، فيحاول جهده التخلّص منها . وليس تاريخ العالم الإسلامي منذ أكثر من نصف قرن سوى النموّ التاريخي لهذا التناقض الذي أدخله الاستعمار على الأوضاع التي تخلّقت في ظلّها القابلية واتّسمت بها . فهناك إذن جانب إيجابي للاستعمار ، حين يحرّر الطاقات التي طال عليها زمن الخمود ، على الرغم من أنه يعتبر من جانب آخر عاملا سلبيّا ، حين يتّجه إلى تحطيم هذه الطاقات ، بتطبيقه قانون « المعامل الاستعماري » ، ولدينا في هذا الصدد واقع ذو دلالة ؛ فإن التاريخ لم يسجّل مطلقا استمرار الواقع الاستعماري ، إذ إن قوى الإنسان الجوهرية تتغلّب أخيرا على جميع ضروب التناقض . وليس معنى هذا أن المستعمر يفد إلى المستعمرات « ليحرّكها » وإنما يجيء ليشلّها ، كما يشلّ العنكبوت ضحية وقعت في شباكه ، ولكنه في نهاية الأمر يغيّر ظروف حياة المستعمر من جذورها ، فيساعده بذلك على تغيير نفسه . ( ابن نبي ، وجهة العالم الإسلامي ، 103 ، 10 ) . - إن الاستعمار ذو منهج ، وهو يخرّج أعماله كلها إخراجا فنيّا خدّاعا ، بحيث يصبغ البلاد المستعمرة بصبغة استعمارية ، وهو يذلّل أية عقبة تعترض طريقه مستخدما في ذلك علمه ومقدرته ، ومن أصول الفن لديه أن يقصي صفوة الناس عن أماكن القيادة ، لأنهم هم الذين يمثّلون أسمى فضائل شعبهم ، ثم يستخدم لتحقيق مآربه طائفة من خلصائه ، اصطفاهم ليمثّلوا الشعب المستعمر . كذلك نجده يحول بين الشعب وبين إصلاحه نفسه ، فيضع نظاما للإفساد ، والإذلال ، والتخريب ، يمحو به كل كرامة أو شرف أو حياء . وهكذا يجد الشعب المستعمر نفسه محاصرا داخل دائرة مصطنعة يساعد كل تفصيل فيها على تزييف وجود الأفراد . ومن المسلّم به أن هذا التضليل العلمي يعتبر تقويضا لكيان الشعوب ، يتعدّل دائما تبعا للطوارئ ، ليقف في وجه كل محاولة أو طاقة جديدة ، فيحدّها ويهدمها . ( ابن نبي ، وجهة العالم الإسلامي ، 122 ، 18 ) . - الاستعمار ليس احتلالا عسكريّا فحسب ، ولكنه أيضا بتر لشخصية القومية المحتلّة ، وسلب لما تملكه من أسلحة وإمكانيات فكرية ، وضرب للطاقات والقدرات الثقافية الكامنة . إنها مخلّفات الاستعمار والاستعباد تجثم على صدورنا وتعرقل انطلاقاتنا ومشروعاتنا وإنشاءاتنا . ( أنور عبد الملك ، الثقافة الوطنية ، 384 ، 5 ) . استعمال * في اللّغة - العمل : المهنة والفعل ، والجمع أعمال ،